لنتبادل الأدوار

العربى الجديد 0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
لنتبادل الأدوار. نساء يتولّين أدوار الرجال ورجال يتولّون مهام النساء. أطفال يصيرون آباء وأمهات، وأهل يقفزون على الطاولات والمقاعد. موظّفون يتحوّلون إلى مدراء، ومدراء يتلقون الأوامر. رئيس يعود مواطناً والعكس. حياةٌ تصير موتاً، وظلامٌ يتحوّل إلى نور. جائع يشبع وتائبٌ يسرق وملحد يؤمن.

لنتبادل الأدوار بدلاً من الغوص في الأحكام المسبقة والتحليلات أو القول: "لو كنت مكانك لفعلت...". حقّاً؟ ماذا كنتَ لتفعل؟ ويحقّ لأيٍّ كان أن يقول لك أيضاً: "لو كنت مكانك".

المواقف والآراء سهلة. نسمع قصّة أو معاناة ونقول آراءنا، ونترك الآخرين محمّلين بكمّ من الأفكار والنظرات والابتسامات الغريبة والتعاطف واللوم وأمور أخرى. ولو بكينا وصرخنا ومرضنا... كلّ هذا تفصيل. وتُصبح القضيّة ما يقولونه عنّا، وما يتبادلونه في ما بينهم.

ليجلسوا على مقاعدنا، منذ اليوم الذي ولدنا فيه، وليحملوا أفكارنا. مجتمعنا يقوم على آراء تصاغُ جزافاً. مواقف وأحكام تتطاير في السماء وتحمل أسماءنا. نراها إذا ما نظرنا إلى فوق، أو إلى يميننا أو يسارنا. فلنتبادل الأدوار قبل أن نقول شيئاً. قلوبنا وأدمغتنا وتجاربنا ومشاعرنا ومشاكلنا مختلفة.

يكبر الأطفال على همسات هنا وهناك. في مجتمعاتنا، معظم الناس يهمسون، وكأّن هناك عالمين. الأول يتكلّم بصوت مسموع والثاني يهمس، ويخالف كل ما قاله العالم الأوّل. يسمع الأطفال انتقادات بحقّ الآخرين، وتحليلات كثيرة، ويكبرون ويبدأون التحليل بدورهم.

ليجلس كلّ واحد منّا في مكان الآخر، ويعيش تجاربه ومشاعره، ويسمع كلاماً كان وقعه قاسياً عليه في طفولته. ليحزن ويفرح مثله، ويعزل نفسه في تلك الغرفة، ويعجز عن السيطرة على كل تلك الأفكار. ليستسلم ويصير كائناً ضعيفاً، ثم يوهم نفسه بالثورة على كلّ ترهاته. ليجلس كلّ منّا في مكان الآخر ويعرف التفاصيل، بدلاً من أن يكتفي بـ "التعاطف" أو إطلاق الأحكام وصياغة تلك العبارات.

التعاطف يزول. مع الوقت، يشعر الناس بالتعب، وربّما الملل. فإمّا أن يصمتوا ويتلهوا بشؤونهم الخاصة، وأما أن يختبروا ألمنا كما هو، بكل تفاصيله ووجعه. هل يشتهي أولئك النوم كما نفعل؟ هل يتنقلون بين "الهموم" كما نفعل؟ إن كانوا مثلنا، فلا يُحسدون، وإن كانوا أكثر شقاء، فلا يحسدون أيضاً. أما إذا كانوا أفضل حالاً، فهنيئاً لهم. في كل الأحوال، فليصمتوا. لا نحسد ولا يحسدون، ولا نحكم ولا يحكمون. يحدث هذا في مدينة تصون ألسنتها الكثيرة، وهذا ليس حال مدينتنا. هنا، لا مجال لصمتٍ يقي البشر من شرّ البشر.


اقــرأ أيضاً

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق